الفيض الكاشاني
261
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
كتبك بينك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلّابكتبهم ) « 1 » . ومن فضل اللَّه تعالى علينا ولطفه بنا وله الحمد أضعاف ما حمده الحامدون أن جعل لنا إماماً بعد إمام ظاهراً فينا وإن كان مستوراً على أعدائنا ، إلى أن انقضى من الهجرة النبويّة مائتان وستّون سنة ، ثمّ جعل للأخير بعد غيبته سفراء إلى قريب من تمام ثلاثمائة وثلاثين سنة . وكان أصحابنا في هذه المدّة المديدة يأخذون العلوم الدينيّة ظاهرها وباطنها من معدنها على اطمئنان من قلوبهم وانشراح من صدورهم بقدر قابليّتهم ورتبتهم ومنزلتهم ، فأغناهم اللَّه بذلك عن تقليد من لا يجوز تقليده ، ونجّاهم به من حيرة الحيران . وبعد انقضاء هذه المدّة كانوا يرجعون إلى الأصول المأخوذة عنهم المشتملة على أكثر ما يحتاج إليه الناس حتّى شذّ مسألة لا يكون فيها حكم جزئي أو كلّي عنهم عليهم السلام ، وفّق له من وفّق ، وما لم يرد فيه نصّ أو لم يبلغ إليهم كانوا يتوقّفون فيه ، لقول الصادق عليه السلام : ( أما إنّه شرّ عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منّا ) « 2 » . وما اختلف فيه الأخبار كانوا يرجعون فيه إلى القانون المنقول عنهم ، وما كانوا ليستنبطوا الأحكام من المتشابهات بالآراء والظنون على القوانين التي وضعتها العامّة . وكان هذا دأبهم إلى أن طال عليهم الأمد ، واختلط أحداثهم بأهل الضلال ، ووقع الاشتباه في مآخذ أحكامهم ، وتكلّموا فيما سكت اللَّه ورسوله عنه ، وخاضوا في المسائل التي أغناهم اللَّه عنها ، فقالوا بالرأي والاجتهاد وما لا يجوز عليه الاعتماد ، وتركوا طريقة مشايخهم المتقدّمين ، أعني الاقتصار على السماع المجرّد من أهل العصمة - سلام اللَّه عليهم - في الأصول والفروع جميعاً ، ووقعوا في ما شنّعوا به على العامّة بعينه من التشريع والاختلاف . قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذمّ اختلاف الفتيا : ( ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند إمامهم « 3 » الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً ، وإلههم واحد وكتابهم واحد ونبيّهم واحد . أفأمرهم اللَّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم
--> ( 1 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 52 ، ح 11 . ( 2 ) - الكافي ، ج 2 ، ص 402 ، ح 1 . ( 3 ) - في المصدر : الإمام .